آقا بن عابد الدربندي
38
خزائن الأحكام
في هذه المقامات إلى تحقيق الحال وبيان الواقع وان لم يترتّب ثمرة أصلا بتحقق المعارض المنجز الوارد ثم لا يخفى عليك ان فيما تقدم عينة عن التعرّض للوجوه من الطرفين بالنسبة إلى الجريان وعدمه فالحكم بالجريان هنا أيضا هو ما يقتضيه التحقيق فنجرى الحكم على منواله حتى يتحقق الوارد فما احتمله الشهيد الثاني من الطهارة في مثل هذا الدبس بناء على تحقق الاستحالة احتمال مرجوح ومن التأمل فيما سبق يظهر وجهه وكيف كان فلا نتعرّض في المقام لما يفضى إلى الاسهاب والتكرار فإنما نتعرّض هنا لبعض الغفلات الصادرة من البعض فاعلم أن البعض قال بعد ذكر كلام انه قد اتضح مما حققنا ان الحكم بطهارة الخمر وحليتها من حيث الانقلاب وبطهارة الدم من حيث الانتقال على ما مرّ على حسب الأصل وان كان الحكم بطهارة محل الخمر المتنجس بملاقاتها تبعا لها على خلاف الأصل ولهذا يقتصر فيه على مورد النصّ وهو انقلابها خلّا ولو فرض الانقلاب في الهواء أو بين الماء الكثيرا وحال الجمود لم يكن في حكمها المذكور ما يوجب المزوج عن مقتضى الأصل أصلا سواء كان الانقلاب إلى الخل أو الدّبس أو غيرهما فما ذكره بعض الاجلاء من أن قضية الاستصحاب نجاسة نقيع الزّبيب بالغليان لثبوتها له حال العنبيّة فيستصحب مما لا وجه له هذا وقد حكم بعد أسطر من كلامه هذا بنجاسة متنجّس الدّبس إذا صار خلّا وعده من قبيل صيرورة الحبوب المتنجسة خبزا فليس هذا الا من التناقض الصرف أو التّحكم المحض فلا يستصح كلامه وان تكلف له بألف حيلة ثم انّ وجه عدم استقامة قوله في قضية نقيع الزبيب قد مرّ اليه الإشارة في بعض الخزائن السّابقة في بيان المذاهب والأقوال في الاستصحاب فخذ الكلام بمجامعه حتى لا يخفى عليك شيء ثم تامّل جيّدا المقام الثامن : في جريان الاستصحاب في جسم نجس مائع ينتقل إلى جوف حيوان ثم يتبدّل إلى جسم آخر المقام الثامن في بيان الحال وكيفية المقال في الانتقال وعرفه البعض بانتقال جسم إلى جوف حيوان مع تبدّل الاسم ثم خصه بما يكون المنتقل منه والمنتقل اليه ما يعين قائلا ان هذا هو ما استقرّ عليه اصطلاحهم دون مثل صيرورة المنى انسانا والبطيخ بولا والعلقة روثا ثمّ جعل النّسبة بينه وبين الاستحالة والانقلاب نسبة المتباينين بعد ان جعل النسبة بين الاستحالة والانقلاب نسبة العام والخاصّ المطلقين باختصاص الانقلاب بما يكون المنقلب عنه والمنقلب اليه ما يعين وقال البعض انّه نوع من الاستحالة كما انّ منها الانقلاب والاستهلاك والأخير كما في النجاسات المستهلكة في الماء الجاري والكثير وعلل ذلك في الانتقال بان المطهر لانتقال الدّم إلى البق ونحوه ليس مجرّد الانتقال من حيث هو هو بل من حيث صار الدّم دم البق حقيقة عرفية هذا وقال « 1 » بعض الاجلّة الانتقال كما في دم البعوض والبراغيث وغيرهما مما لا نفس له وليس ببعيد ان يكون هذا من الاستحالة الشّرعيّة لاستحالة ما تجذبه إلى دمها لقوة جذبها وشدّة حرارتها إذا عرفت هذا في بيان الفرق بين الاستحالة والانقلاب فاعلم انا نقول إن الانتقال سواء كان بحسب العرف واللغة اعمّ من الانقلاب والاستحالة أم لا انه في عرف أصحاب المعقولات من مترادفات الاستحالة ومتواردات الانقلاب الا على بعض الوجوه والاعتبارات واما الفقهاء فإنهم وان كانوا قد جعلوا الكلّ منها عنوانا مبيّنا فيه الامر بالتمثيل من غير تعرّض لرسم واحد منهما غير الاستحالة مشيرين بذلك إلى التغاير الا ان المتراءى منهم مع ذلك اعمّية الاستحالة من الانقلاب بل الانتقال أيضا ولو كان ذلك في الأخير بنوع من العناية فبهذا اللحاظ يمكن الحكم أيضا باعميّة الانقلاب من الانتقال نعم انّ بملاحظة اطلاق الانتقال على ما هو من الأمور المعنويّة والحالات الباطنية ولو كان الكاشف عن ذلك من الأمور اللفظية وذلك كانتقال الكافر إلى الاسلام يستفاد أعمية الانتقال اعميّة من وجه وذلك بملاحظة انه لم يعهد منهم في ذلك اطلاق الاستحالة ولا الانقلاب وكيف كان فان الانتقال المبحوث عنه هاهنا هو انتقال الدّم النجس إلى الحيوان الذي ليس له نفس سائلة وذلك كالبق والبرغوث والقمل والعلق كما يتراءى ذلك من كلام جمع ومفاد كلام البعض انّه أعم من ذلك كما ستطلع عليه فإذا كنت على خبر من ذلك فاعلم أن هذا العنوان مما لم يتعرّض له في الكتب الاصوليّة الا في كلمات جمع قليل فبعضهم قد حكم بعدم جريان الاستصحاب مشترطا بشرط ان لا يضاف الدّم حقيقة إلّا إلى هذه الحيوانات وبعضهم قد حكم بالجريان دون الاعتبار وترتيب الآثار نظرا إلى اطلاق دم الحيوان الغير غير ذي النفس على هذا الدّم وان كان تبدّل الحقيقة في غاية الخفاء في أول مصّ هذه الحيوانات للدّم وخصوصا في العلق وقال شيخنا الشريف ره معنونا كلامه في المقام بعنوان واما الانتقال فان صار موجبا لتبدل الماهيّة كصيرورة الماء النجس الداخل في جوف الغنم بولا فهو كالاستحالة فلا استصحاب وان لم يصر موجبا لتبدّل الماهيّة كدم الأدنى في جوف العلق فانظر إلى الدليل الدال على ثبوت الحكم أولا فإن كان متواطئا بالنسبة إلى تلك الحالة الحاصلة بعد الانتقال وشاملا لها فالحكم ثابت بنفس ذلك الدليل وان لم يظهر الشمول فالاستصحاب جار هذا ولا يخفى عليك ان جريان الاستصحاب وترتيب الآثار بأسرها على طبقه في الدّم المنتقل إلى العلق حتى في مثل عدم العفو في الصّلاة عما دون الدّرهم إذا كان من الدّماء الثلاثة مما ينبغي ان لا يرتاب فيه فان الجريان في ذلك مما امره أوضح من أن يبين وكذا الحجيّة لعدم ورود وارد عليه فلا حاجة إلى ملاحظة التواطى والتشكيك في مثبتات الحكم أولا من المطلقات ولعل هذا كذلك عند كل من يقول بحجيّة الاستصحاب وان لم يعنون المقام الا في كلام جمع وإلى ذلك يشير كلام بعض الاجلّة حيث أفاد ذلك بعدم استشكاله وعدم تردّده في المقام قائلا بعد ذكر الانتقال المطهر كما في ذم البعوضة والبراغيث
--> ( 1 ) بعض